النصب التذكاري للجندي المجهول.. شعلة الجنوب التي لا تنطفئ
في الثلاثين من نوفمبر، تنفض الروح الجنوبية غبار الأيام، وتتنسّم من نسيم الصباح أوكسجين عزّتها المتجذّرة في عمق التاريخ.. وفي الذكرى الثامنة والخمسين لعيد الاستقلال، تتقد الذاكرة في وجدان الجنوب العربي، وتنهض مشاعر وأفئدة أجيال الحاضر محتفيةً بجيلٍ صنع المجد بجسده وروحه وإرادته وعطائه الوطني.. جيلٌ آمن بأن الأرض لا تُصان إلا بدماء طاهرة وقلوب حيّة لا يوقف ولا يكلّ نبضها الوطني المتجدّد، وأن الحرية لا تُهدى بل تُنتزع انتزاعاً مهما طال الزمن.
وفي هذه المناسبة الخالدة، لا بدّ من إعادة تسليط الأضواء على ضريح الجندي المجهول، ذلك الصرح الشامخ في قلب الجنوب… صرح الجندي الجنوبي والجنود المجهولة أسماؤهم، والخالدة مآثرهم وإنجازاتهم، التي تطل بإشراقاتها من كل أرجاء الوطن الجنوب على ذلك النصب الذي يقف في مدينة التواهي كأنه حارسٌ أبدي للمكان والزمان، وهوية وطنية حيّة تحرس الذاكرة نفسها، وتشهد أن الأرض التي تُروى بالدم تبقى خضراء مهما كثرت الرياح وتبدّلت الأزمنة.
هذا الصرح لم يُبن حجراً فوق حجر فحسب، بل شُيّد من رائحة التراب الجنوبي المعطّرة بدماء وأرواح أطهر وأشرف من أنجبتهم هذه الأرض.. إنه كتاب مفتوح عن أمجاد وطن وشعب عريق، كتاب نُقشت حروفه روايات ومواقف وتضحيات رجالٍ لم يكن لهم من الدنيا إلا اسم الوطن... رجالٌ عابرون في الزمن، خالدون في الوجدان، مجهولون في الاسماء… معروفون في الشرف والبطولة.. رجالٌ رحلوا بأجسادهم، لكنهم تركوا بصماتهم وإرثهم على جبين التاريخ، فصار لهم حضورٌ لا تُطفئه السنين، وملامحُ يسكنها المجد وإن غابت الأسماء... واحتفاؤنا واحتفالاتنا بأعياد الثورة والاستقلال الاول لوطننا الجنوب العربي، إنما نكرّم ونبجّل فيها أولئك الجنود المجهولين الذين صنعوا هذه الأعياد و نسجوا من ضياء شموس الحرية المفضلة بدمائهم، هوية الجنوب ووجهه الخالد.
الجندي الجنوبي المجهول هو ذاك الذي حمل روحه على كفّه ومضى، هو الشجاع حين يشتد القتال، وهو الكريم حين يبذل أغلى ما يملك، وهو الأمين على قيم الأرض والإنسان، وهو الأب الروحي لكل طفل وُلد وترعرع في كنف الثورة، ومصدراً متجدداً لتربيتهم وثقافتهم وروحهم الوطنية.
في الجنوب، لا تُعدّ الشهادة رقماً ولا حدثاً عابراً؛ إنها عقيدة حياة، وجزء من مدرسة نضالية تمتد من المهرة شرقاً حتى باب المندب غرباً.. كل شهيد جنوبي هو فصلٌ من كتاب الأرض، وكل طلقة أُطلقت دفاعاً عن الجنوب هي توقيع بخطّ النار على صفحة التاريخ يكتب حروفها ووقائعها التي لا تُنسى جنديٌ مجهول.
ولأجل هؤلاء الأبطال، كان القرار بإقامة صرحٍ يحفظ الذكرى ويحرسها، صرحٌ يختزل بين جدرانه سردية الجنوب العربي الممتدة من ثورة الرابع عشر من أكتوبر 1963م، مروراً بمحطات التحرير، ووصولاً إلى معارك الشرف التي خاضتها المقاومة والجيش الجنوبي في مواجهة الاحتلال والظلم والطغيان والإرهاب.
إن صرح الجندي الجنوبي المجهول ليس مجرد معلم تاريخي، بل هو رمزٌ للهوية ورسالةٌ للأجيال القادمة بأن الحرية ثمنها الدم، وأن الأوطان لا تقف على الخرائط بل على أكتاف الرجال.. هو مساحةُ إجلالٍ لكل من قاتل، ومحرابُ وفاءٍ لكل من اصطفّ في خطوط النار، وسجلّ بطولي مفتوح لا يمكن أن تُطوى صفحاته.
وفي ذكرى الاستقلال الأول، نكتب بأرواحنا قبل كلماتنا: سيبقى الجنوب وفياً لجنده المجهولين.. أولئك الذين صنعوا للأرض اسماً وللتاريخ فخراً وللأجيال طريقاً نحو المستقبل لا تضيع معالمه .















